شركة عُمانية تدخل سباق تقنيات الفضاء
دخل عالم ريادة الأعمال من قطاع شديد التعقيد مثل الطيران والفضاء؛ فلا تبدأ المغامرات عادة من أصعب نقطة في السلسلة التقنية. لكن رائد الأعمال محمد بن سالم بن علي العلوي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “RENT”، المسجلة رسميًا باسم أسفار لتكنولوجيا الطيران والفضاء، اختار أن يبدأ من المحرك الصاروخي "مضخة الوقود".
وأوضح العلوي أن مضخة الوقود في المحركات الصاروخية تمثل ما يقارب 60% من القيمة التقنية للمحرك، كما تتركز فيها أعقد التحديات الهندسية أثناء التصميم والتطوير والاختبار. ومن هنا جاء القرار الاستراتيجي بالتركيز عليها كبداية، بدل محاولة تطوير صاروخ كامل بإمكانات محدودة.
وأشار العلوي إلى أن مضخات الوقود والأكسجين السائل تخضع لقيود تصدير صارمة (Export Control)، ما يجعل الحصول عليها من الدول المصنعة أمرًا بالغ الصعوبة، وإن توفر فبتكلفة "خيالية" تفوق القدرة التنافسية لأي شركة ناشئة في هذا المجال. لذلك فإن تطويرها محليًا يعد ضرورة استراتيجية لتقليل الاعتماد الخارجي وامتلاك المعرفة الحساسة.
بعد تخرجه في هندسة الطيران والفضاء من جامعة كولورادو الأمريكية، بدأ العلوي التفكير في كيفية توظيف خبراته في مشروع وطني يتكامل مع الجهود القائمة في البنية الأساسية لمنصات الإطلاق. كانت الفكرة الأولية تطوير صواريخ كاملة، لكن الدراسة الواقعية للتحديات التقنية والمالية والمعلوماتية أظهرت أن المشروع يتطلب موارد بشرية وتمويلية ضخمة.
وتولدت لديه فكرة "التجزئة"، وهي التركيز على مكون أساسي واحد وإثبات القدرة التقنية فيه، ثم التوسع تدريجيًا. وبعد مشاورات مع مهندسين مختصين، تبلورت الرؤية حول تطوير مضخات الوقود للمحركات الصاروخية العاملة بالوقود السائل.
انطلقت الشركة فعليًا بعد قبول المشروع في مسرعة "عُمان للفضاء". كانت البداية بفرد واحد يعمل على تطوير الفكرة، لكن سرعان ما ظهرت التحديات: كيف يوازن رائد الأعمال بين متطلبات السوق وإعداد خطة العمل، وبين التعقيد الهندسي لمنتج عالي الحساسية؟
وصف العلوي هذه المرحلة بأنها الأصعب من حيث التوفيق بين العقلية الهندسية ومنطق الأعمال. ومع ضغط العمل وتزايد المهام، برزت الحاجة إلى بناء فريق متخصص، وهو ما تحقق تدريجيًا خلال فترة المسرعة، وكان له أثر حاسم في تقدم المشروع.
وشكّلت المسرعة مساحة تعليمية لرائد أعمال بخلفية هندسية لا يمتلك خبرة سابقة في إدارة المشاريع أو النماذج التجارية، حيث اكتسب مهارات الإدارة وإدارة الوقت وبناء الشراكات.واعتمد المشروع في مراحله الأولى على التمويل الشخصي للمؤسس، مع دعم معنوي من العائلة والأصدقاء، إضافة إلى مساندة من الجهات المشغلة للمسرعة وشبكة المرشدين الذين وفروا اجتماعات دورية وتقييمًا مستمرًا لمسار التطوير.
ومن أبرز الإنجازات التقنية للشركة نجاحها في إثبات عملي لمضخة وقود بضغط 800 بار للهيدروجين السائل، وهو مستوى تقني متقدم في هذا القطاع. حاليًا تركز الشركة على تطوير منتجها الأول التجاري، وهو مضخة بضغط أقل، تمهيدًا للإعلان عن خصائصها خلال الفترة المقبلة.
ويمثل هذا الانتقال من "إثبات المفهوم" إلى “منتج قابل للتسويق” مرحلة مفصلية في دورة حياة الشركات التقنية العميقة (Deep Tech)، حيث يبدأ المشروع بالتحول من مختبر هندسي إلى كيان صناعي قابل للتوسع.
وحرص العلوي على المشاركة في مؤتمرات ومعارض متخصصة لتعزيز حضور شركته، منها مؤتمر الشرق الأوسط للفضاء 2026، ومعرض دبي للطيران 2025، إضافة إلى فعاليات ريادية وتقنية محلية مثل “كومكس”، مشيرًا إلى أن هذه المشاركات كانت أسرع أدوات التسويق تأثيرًا مقارنة بوسائل التواصل التقليدية.كما حصلت الشركة على المركز الأول في مسرعة عُمان للفضاء، وهو ما عزز موقعها التقني ومنحها دفعة معنوية إضافية.
ولا تقف طموحات العلوي عند تطوير مضخة الوقود، وإنما يخطط للانتقال إلى أجزاء أخرى من المحرك الصاروخي، والمساهمة في توطين تقنيات الطيران والفضاء في سلطنة عُمان مع استهداف أسواق الخليج والعالم.وبيّن العلوي أن المشروع يسعى إلى أن يكون جزءًا من سلسلة القيمة العالمية في قطاع الفضاء، من خلال تطوير مكونات عالية الحساسية يصعب الوصول إليها في ظل القيود الدولية.

تعليق