الخميس، 2 أكتوبر 2025

Inksoul

الذاكرة العمانية بين الوثيقة المكتوبة والرواية الشفوية

Inksoul بتاريخ عدد التعليقات : 0

 

الذاكرة العمانية


الذاكرة العمانية بين الوثيقة المكتوبة والرواية الشفوية 


تثير العلاقة بين الوثيقة المكتوبة والرواية الشفوية إشكالية جوهرية في كتابة التاريخ؛ فهي تضع الباحث أمام سؤال المنهج والذاكرة في آن واحد. فالوثيقة بما تحمله من دقة وطابع رسمي تتيح تثبيت الأحداث والقرارات، لكنها قد تغفل تفاصيل الحياة اليومية وتجارب الناس العاديين. أما الرواية الشفوية فهي ذاكرة حية تكشف المشاعر والعادات والحكايات الشعبية التي لم تجد طريقها إلى التدوين، ومن هنا يبرز السؤال: كيف يمكن الجمع بين المصدرين لصياغة تاريخ وطني متوازن لا يقتصر على الرسمي المدون، ولا يكتفي بما يحفظه الرواة؟ في هذا الاستطلاع يشارك عدد من الأكاديميين والباحثين بآرائهم حول هذه الإشكالية، وقيمة المزاوجة بين الوثيقة المكتوبة والرواية الشفوية في حفظ الذاكرة العمانية.


بداية يرى الدكتور سليم بن محمد الهنائي أستاذ مساعد التربية والدراسات الإنسانية بكلية العلوم والآداب أن الرواية الشفوية تمثل ركيزة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها في الكتابة التاريخية؛ فهي لم تكن في أي وقت هامشية أو ثانوية، بل اعتمدت عليها الكثير من المؤلفات والإصدارات في سلطنة عمان وفي العالم العربي والعالم أجمع؛ إذ إن هناك موضوعات بعينها لا سبيل إلى تدوينها أو مقاربتها إلا عبر الاستماع إلى الرواة، ونقل ما يحتفظون به في ذاكرتهم سواء ارتبط ذلك بالتاريخ الاقتصادي أو الاجتماعي، أو بتاريخ التعليم والثقافة، أو حتى بتاريخ المدن والمحافظات وما يتصل بمفرداتها وتفاصيلها الدقيقة، وخاصة في الحقب التاريخية المعاصرة التي لم يوثق بعد الكثير من وقائعها كتابة بشكل كامل.




ويشير الدكتور «الهنائي» إلى أن مناهج البحث التاريخي الحديثة مثل منهج المقارنة والمنهج التحليلي قد أسهمت في توسيع آفاق الدارسين، إلا أنها في الغالب تقوم على الوثائق والمصادر المكتوبة بينما يظل التعامل مع الرواية الشفوية مسألة مختلفة تقتضي أدوات خاصة وقدرات منهجية محددة. وهنا يطرح تساؤله الجوهري حول ما إذا كانت المناهج التي تدرّس في الجامعات العمانية قادرة بالفعل على إعداد الطالب للتعامل مع هذا النوع من المصادر.

ويوضح أن الطالب في مرحلة البكالوريوس يتلقى مقررات تتضمن موضوع الرواية الشفوية، غير أن ما يدرسه لا يكفي وحده لتأهيله للتعامل مع هذا الجانب بالغ الحساسية؛ إذ إن الأمر يتطلب مهارات متنوعة لا يكتسبها الطالب إلا إذا ارتقى إلى مستويات دراسية أعلى مثل الماجستير والدكتوراه؛ حيث يدرس مناهج النقد التاريخي التي تمكّنه من تحليل المصادر المكتوبة والشفوية معا، ووضعها في سياقها التاريخي الصحيح.

ويضيف «الهنائي» أن الرواية الشفوية لا يمكن أن تؤخذ كما هي على علاتها، وإنما لا بد أن تُخضع لعملية نقد دقيقة تكشف مدى توافقها مع الروايات المعاصرة لها، ومع مجريات الأحداث التاريخية؛ بحيث تُمحص وتُغربل قبل اعتمادها كمصدر من مصادر التاريخ. وهنا تتجلى أهمية الباحث المتخصص القادر على التمييز بين ما هو موثوق وما قد يكون دخله من خيال أو من التباسات الذاكرة البشرية، لاسيما أن الراوي كثيرا ما يسترسل في حديثه عن وقائع مر عليها زمن طويل، وقد تختلط عنده تفاصيلها فيضيف أو يحذف من غير قصد.

ويؤكد الدكتور سليم بن محمد الهنائي أن المناهج الجامعية بصيغتها الحالية لا تكفي وحدها، وأن المطلوب في المرحلة الأولى من إعداد الطالب هو إتاحة التدريب العملي له؛ بحيث يجلس مع عدد من الرواة، ويستمع إليهم، ثم يمارس عملية النقد والتحليل على ما سمعه؛ ليحدد ما هو صحيح وموضوعي، وما ينبغي استبعاده، وبذلك فقط تتحول المناهج النظرية إلى ممارسة حقيقية تكسب الطالب خبرة التعامل مع الرواية الشفوية، وتجعلها جزءا من أدواته المنهجية في كتابة التاريخ.


الذاكرة العمانية بين الوثيقة المكتوبة والرواية الشفوية
تقييمات المشاركة : الذاكرة العمانية بين الوثيقة المكتوبة والرواية الشفوية 9 على 10 مرتكز على 10 ratings. 9 تقييمات القراء.

مواضيع قد تهمك

تعليق